المادة 173 من قانون الجزاء الكويتي

المادة 173 من قانون الجزاء الكويتي

في الفكر القانوني التقليدي، الجريمة ترتبط دائماً بـ “النتيجة”. إذا لم تحدث سرقة، فلا يوجد سارق. وإذا لم تحدث جثة، فلا يوجد قاتل. ولكن، المشرع الكويتي في قانون الجزاء رقم 16 لسنة 1960 كان له رأي آخر أكثر حزماً لحماية أمن المجتمع. لقد قرر أن يضرب “الشر” في مهده.

هناك نوع من المجرمين لا يلوث يديه بالدماء، ولا يكسر الأبواب بنفسه. إنه “المحرض”. الشخص الذي يزرع الفكرة، ويقدم المال، ويغري الآخرين لارتكاب الجريمة. ماذا لو رفض الشخص الآخر ارتكاب الجريمة؟ هل ينجو المحرض بفعلته؟ هنا تأتي المادة 173 من قانون الجزاء الكويتي لتقول له: “لا، لن تنجو”.

هذه المادة تعتبر من أخطر المواد وأكثرها دقة، لأنها تعاقب على “النية المظهرة” و”السعي للإفساد”، حتى لو كانت النتيجة صفراً. في زمن السوشيال ميديا والجروبات، أصبحت هذه المادة سيفاً مسلطاً على رقاب الكثيرين الذين يكتبون عبارات تحريضية دون وعي بخطورتها.

في مجموعة الوجيز للمحاماة، وبقيادة المحامي الجنائي المخضرم محمد يوسف الحميدي (الحارس القضائي والمحكم المعتمد)، نحن نتعامل مع هذه القضايا بمنظور تحليلي عميق. نحن نعلم أن الخيط رفيع جداً بين “التعبير عن الرأي/الغضب” وبين “التحريض الجنائي”. دورنا هو إثبات هذا الفارق أمام المحكمة لتبرئة المتهم أو تخفيف العقوبة عنه.

في هذا المرجع القانوني الشامل، نشرح لك المادة 173 تشريحاً دقيقاً، ونوضح لك كيف تحمي نفسك من الوقوع تحت طائلتها.


النص القانوني: ماذا تقول المادة 173؟

المادة 173 من قانون الجزاء الكويتي
المادة 173 من قانون الجزاء الكويتي

لكي نفهم الجريمة، يجب أن نقرأ النص كما ورد في القانون:

نص المادة 173: “كل من حرض غيره على ارتكاب جناية أو جنحة، بإعطائه نقوداً أو هدية، أو بالتهديد، أو بإساءة استعمال السلطة أو الولاية، أو بأي وسيلة أخرى، يعاقب بالعقوبة المقررة للجريمة التي حرض عليها، إذا لم يترتب على هذا التحريض وقوع الجريمة.” (مع وجود تفصيلات حول تخفيف العقوبة في بعض الحالات حسب نوع الجناية أو الجنحة).

تحليل النص (شرح المحامي محمد الحميدي): هذه المادة تتحدث عن حالة خاصة جداً تسمى “التحريض الخائب” أو “التحريض المجرد”.

  1. المحرض: هو الفاعل الأصلي في هذه الجريمة.

  2. المحرض عليه (الطرف الآخر): هو الشخص الذي تلقى العرض ولكنه رفض التنفيذ، أو وافق ولم يفعل شيئاً.

  3. النتيجة: الجريمة الأصلية (قتل، سرقة، تزوير) لم تقع.

  4. العقوبة: يعاقب المحرض، لأنه أظهر خطورة إجرامية وسعى في الأرض فساداً.


أركان جريمة التحريض (كيف تثبت التهمة؟)

لكي تدين المحكمة شخصاً بموجب المادة 173، يجب أن يتوافر ركنان أساسيان. نحن في مجموعة الوجيز نركز دفاعنا على هدم أحدهما لتبرئة الموكل:

1. الركن المادي (فعل التحريض)

لا يكفي أن يتمنى الشخص وقوع الجريمة. يجب أن يقوم بنشاط إيجابي ملموس لدفع غيره لارتكابها. المادة حددت وسائل التحريض (على سبيل المثال لا الحصر):

  • الإغراء بالمال أو الهدايا: “خذ هذا المبلغ واضرب فلاناً”.

  • التهديد: “إذا لم تسرق الملف، سأفصلك من العمل”.

  • إساءة استعمال السلطة: مدير يأمر موظفه بتزوير توقيع.

  • أي وسيلة أخرى: تشمل الخطب، الكتابة، الرسائل الإلكترونية، الإقناع النفسي.

الثغرة الدفاعية: إذا كان الكلام مجرد “فضفضة” أو “تنفيس غضب” دون نية حقيقية أو وسيلة محددة، فلا يعتبر تحريضاً. المحامي محمد الحميدي يبرز للمحكمة أن الكلام كان “لغواً” لا يرقى لمرتبة الفعل الجنائي.

2. الركن المعنوي (القصد الجنائي)

يجب أن يكون المحرض “قاصداً” وعالماً.

  • يعلم أن الفعل الذي يحرض عليه هو جريمة يعاقب عليها القانون.

  • تتجه إرادته إلى أن يقوم الطرف الآخر بتنفيذ الجريمة فعلياً.

الثغرة الدفاعية: إذا كان المحرض “مازحاً”، أو “مخموراً” (في ظروف معينة)، أو “جاهلاً” بأن الفعل جريمة، ينتفي القصد الجنائي.


الفرق بين المادة 173 (التحريض) والمادة 48 (الشريك)

هذا هو التمييز القانوني الأهم الذي يخلط فيه حتى بعض القانونيين المبتدئين.

الحالة الأولى: الجريمة وقعت (المادة 48)

  • إذا حرضت شخصاً على السرقة، فذهب وسرق فعلاً.

  • هنا أنت لست مجرد “محرض”، بل أنت “شريك في الجريمة” (شريك بالتحريض).

  • تعاقب بنفس عقوبة الفاعل الأصلي (السارق).

  • السند القانوني: المادة 48 و 52 من قانون الجزاء.

الحالة الثانية: الجريمة لم تقع (المادة 173)

  • إذا حرضت شخصاً على السرقة، فقال لك “لا، لن أسرق”، أو وافق ثم خاف وتراجع.

  • هنا لا توجد سرقة. لا يوجد فاعل أصلي.

  • لكن أنت (المحرض) تعاقب وحدك بموجب المادة 173 على “جريمة التحريض”.

إذن: المادة 173 هي شبكة الأمان التي وضعها المشرع لمعاقبة المحرض عندما تفشل خطته.


خطورة المادة 173 في العصر الرقمي (الجرائم الإلكترونية)

اليوم، التحريض لم يعد يتم في الغرف المغلقة فقط. تغريدة واحدة، أو رسالة في “قروب واتساب”، قد تدخلك السجن تحت طائلة المادة 173.

  • أمثلة معاصرة:

    • شخص يكتب في تويتر: “يجب علينا حرق مقر الشركة الفلانية”. (تحريض على الحريق العمد).

    • شخص يرسل في قروب الموظفين: “دعونا نمتنع عن العمل غداً ونعطل السيرفرات”. (تحريض على الإضراب غير المشروع أو إتلاف الممتلكات).

في هذه الحالات، حتى لو لم يستجب أحد، ولم تحترق الشركة، ولم تتعطل السيرفرات، كاتب الرسالة يُعاقب لأنه “حرض”.

دور المحامي محمد الحميدي: بصفته خبيراً في التعامل مع الأدلة (حارس ومحكم)، يعرف كيف يتعامل مع الأدلة الرقمية. هل الحساب مخترق؟ هل الكلام يحمل معنى مجازياً؟ هل يوجد “قصد جنائي خاص”؟ تحليل هذه الرسائل فن قانوني دقيق.


العقوبة: ماذا ينتظر المحرض؟

المشرع الكويتي كان ذكياً في تدرج العقوبة في المادة 173. العقوبة تعتمد على “جسامة الجريمة” التي حرضت عليها:

  1. التحريض على جناية (مثل القتل، الخطف): إذا لم تقع الجريمة، يعاقب المحرض بالحبس مدة لا تجاوز (مدة معينة غالباً تكون نصف عقوبة الجريمة أو أقل حسب التعديلات، وعادة لا تتجاوز 5 سنوات في الجنايات الكبرى كعقوبة مستقلة للتحريض المجرد في بعض التشريعات المقارنة، ولكن في الكويت النص يقول “يعاقب بالعقوبة المقررة للجريمة” مع جواز تخفيفها من القاضي إذا لم تقع الجريمة، وفي الجنح تكون أقل).

    • تنويه: تطبيق العقوبة يخضع للسلطة التقديرية للقاضي في التخفيف نظراً لأن الضرر لم يقع.

  2. التحريض على جنحة (مثل الضرب البسيط، السب): يعاقب بعقوبة الجنحة أو أقل.

الاستثناء الخطير: إذا كان التحريض موجهاً لـ “عامة الناس” (علني)، أو يتعلق بـ “أمن الدولة” (قلب نظام الحكم، إشاعة الفوضى)، هنا تطبق مواد أخرى أشد من قانون أمن الدولة، ولا ينظر للمادة 173 وحدها.


كيف يدافع المحامي محمد الحميدي عن المتهم بالتحريض؟

عندما يأتينا موكل متهم بأنه “حرض” شخصاً ما، نبدأ في بناء خطة الدفاع بناءً على ثغرات المادة 173:

الدفاع الأول: انتفاء “الجدية” في التحريض نثبت أن الكلام كان مجرد “لغو” أو “ثرثرة”. التحريض القانوني يتطلب “إصراراً” و”تحديداً”.

  • مثال: شخص يقول في لحظة غضب “والله لأقتله”. هذا ليس تحريضاً. التحريض هو أن يعطي سلاحاً لشخص ويقول “اقتله غداً”.

الدفاع الثاني: عدم تحديد “الفاعل” إذا كان الكلام عاماً جداً وغير موجه لشخص محدد يمكنه التنفيذ، قد نخرج من دائرة التحريض المباشر.

الدفاع الثالث: العدول الاختياري (التوبة) إذا أثبتنا أن المحرض “تراجع” عن تحريضه ومنع وقوع الجريمة بإرادته قبل فوات الأوان، فهذا سبب قوي للإعفاء من العقوبة أو تخفيفها جداً.

الدفاع الرابع: كيدية الاتهام (تلفيق) كثيراً ما يتم اتهام شخص بالتحريض من قبل “شخص آخر” قبض عليه في جريمة، فيريد توريط بريء ليخفف عن نفسه أو ينتقم. بصفتنا محكمين، نحن نجيد استجواب الشهود وكشف التناقضات لإثبات أن الاتهام كيدي.


تطبيقات عملية للمادة 173 في واقعنا

1. في الشركات (الخيانة الوظيفية)

موظف ساخط يحرض زميله (أمين الصندوق) على اختلاس مبلغ، ويعده بالمساعدة في التغطية. الزميل يرفض ويبلغ الإدارة.

  • النتيجة: الموظف الساخط يحاكم بالمادة 173 (تحريض على اختلاس) ويسجن ويفصل، حتى لو لم يسرق ديناراً واحداً.

2. في الخلافات الزوجية

زوجة تحرض أخاها على ضرب زوجها لتأديبه. الأخ يرفض.

  • النتيجة: الزوج يرفع قضية على زوجته بالتحريض على الاعتداء، وتدان جنائياً.


الأسئلة الشائعة حول المادة 173 (FAQ)

س1: هل التسجيل الصوتي يكفي لإثبات التحريض؟ ج: نعم، التسجيل الصوتي دليل قوي جداً في القانون الكويتي، بشرط أن يكون الصوت واضحاً ومطابقاً لصوت المتهم (يتم فحصه في الأدلة الجنائية). إذا سجلت لشخص وهو يعرض عليك مالاً لارتكاب جريمة، فهذا دليل إدانة قاطع.

س2: هل يعاقب المحرض إذا كانت الجريمة مستحيلة؟ ج: هذا جدل قانوني. ولكن غالباً، إذا حرضت شخصاً على سرقة خزنة، وتبين أن الخزنة فارغة أصلاً، تظل العقوبة قائمة لأن “الخطورة الإجرامية” للمحرض موجودة.

س3: ما الفرق بين التحريض والاتفاق الجنائي؟ ج:

  • التحريض: طرف يسيطر على طرف (فاعل ومفعول به).

  • الاتفاق: تلاقي إرادتين على قدم المساواة (تعال نسرق معاً). كلاهما جريمة، ولكن التكييف القانوني يختلف، والعقوبات متقاربة.

س4: هل التحريض على الانتحار معاقب عليه؟ ج: نعم، وله مادة خاصة. ولكن إذا حرضت شخصاً على إيذاء نفسه ولم يفعل، قد تندرج تحت المادة 173 أو مواد أخرى حسب الظروف.

س5: هل تنطبق المادة على الأحداث (الأطفال)؟ ج: نعم، إذا حرض حدث زميله، يطبق عليه قانون الأحداث. ولكن الأخطر هو “تحريض البالغ للحدث”. القانون يشدد العقوبة جداً على من يحرض الأطفال على الجرائم لأنهم مسلوبو الإرادة.


رسالة أخيرة: لسانك حصانك.. والقانون لا يرحم الغافلين

المادة 173 تعلمنا درساً قاسياً: النية السيئة التي تخرج للعلن هي جريمة. لا تستهن بكلماتك، ولا تظن أن عدم وقوع الجريمة ينجيك من العقاب. المشرع الكويتي يريد مجتمعاً نظيفاً حتى من “الأفكار الإجرامية”.

إذا وجدت نفسك متهماً بظلم في قضية تحريض، أو كنت ضحية لشخص يحاول إفساد حياتك وتحريض الآخرين عليك، فأنت بحاجة لمحامٍ يفهم ما بين السطور.

في مجموعة الوجيز، نحن لا ندافع فقط، نحن “نحلل” و “نفكك” الواقعة لنصل للحقيقة. المحامي محمد يوسف الحميدي يضع خبرته الطويلة كحارس ومحكم وجنائي في خدمتك، ليضمن أن العدالة تأخذ مجراها الصحيح.


هل تواجه اتهاماً غامضاً بالتحريض؟

التهمة دقيقة، والدفاع يجب أن يكون أدق. تواصل معنا فوراً لدراسة ملف القضية ووضع خطة الدفاع.

5/5 - (3 أصوات)
مجموعة الوجيز للمحاماة
مجموعة الوجيز للمحاماة

تحت قيادة المحامي محمد الحميدي، المصنف كأحد أفضل المحامين في الكويت، تقدم مجموعة الوجيز للمحاماة محتوى قانونياً متخصصاً يلامس احتياجات الشارع الكويتي. نختص بتبسيط الإجراءات القانونية المعقدة وتقديم استشارات استباقية عبر مقالاتنا. ثقتكم هي محركنا، وخبرتنا هي حصنكم القانوني المنيع في مواجهة التحديات القضائية.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اتصل الآن